عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

46

معارج التفكر ودقائق التدبر

الّتي أجراها اللّه عزّ وجلّ لهم ، تصديقا لرسوليه ، وجحودهم بها مع علمهم بأنّها حقّ من ربّ العالمين ، واستيقان أنفسهم لها ، فكانت عاقبتهم أن أهلكهم اللّه وأهلك جنودهم بالإغراق ، وكان هذا عاقبتهم ، بسبب كفرهم وأنّهم كانوا مفسدين في أرض مصر . آياتُنا : أي : آياتنا الخوارق التّسع كلّها ، والفاء في : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ تعطف عطف ترتيب مع تعقيب على آخر الآيات ، لا على آيتي العصا واليد فقط . مُبْصِرَةً : أي : واضحة مضيئة بيّنة ، يقال لغة : « أبصر الطّريق فهو مبصر » أي : استبان ووضح . قال أبو إسحاق : معنى « مبصرة » تبصّرهم ، أي : تبيّن لهم ، وقال الأخفش : إنّها تبصّرهم ، أي : تجعلهم بصراء « 1 » . فالمعنى على هذا : فلمّا جاءتهم آياتنا مبصّرة لهم بأنّ موسى وهارون رسولان من ربّ العالمين صادقان ، وأنّ ما جاءا به من قضايا الدّين حقّ وصدق ، يبلّغانه عن اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه . قالُوا هذا سِحْرٌ : أي : قالوا : ما جاء به موسى وأخوه هارون نوع من أنواع السّحر الكبرى ، الّتي لم يتوصّل إلى معرفتها ومعرفة أسبابها سحرة مصر كلّهم . مُبِينٌ : أي : واضح جليّ ، من فعل : « أبان الشيء إبانة فهو مبين » أي : ظهر ووضح وكان جليّا . وَجَحَدُوا بِها : أي : أنكروها مع علمهم علما يقينيّا بأنّها حقّ وليست من قبيل السّحر ، والمعنى أنّهم أنكروا كونها آيات من عند اللّه ربّ العالمين .

--> ( 1 ) انظر لسان العرب ، مادة « بصر » .